مرحبا أبناء تشاد، موطني العزيز الذي جمعنا تحت سمائه أتباع ديانات مختلفة، وجمعتنا فيه قيم العيش المشترك والدم الواحد والوطن الواحد.. أقف بين أيديكم اليوم بقلم يرتجف حياءً، وقلب ينبض بألم على حال بعض إخواننا وبناتنا في أعتاب المستشفيات والعيادات، حيث تختلط النوايا وتضيع الحدود وتُهتك الأستار بحجة العلاج.
نحن المسلمين في تشاد نؤمن بأن ديننا الحنيف الذي أتى رحمة للعالمين، جعل من حفظ الجسد أمانة، ومن الستر فضيلة، ومن التعامل بين الرجل والمرأة ميزانًا من الحكمة والعفاف. فالإسلام لم يحرم علاج الرجل للمرأة أو العكس تعنتًا، بل شرع الضوابط التي تحفظ الكرامة وتُبقي على الحياء، وجعل الأصل أن يكون العلاج على يد امرأة مع امرأة، ورجل مع رجل، وأباح عند الضرورة والحاجة ما توجبه الحال بقدر ما تمس الحاجة إليه.
وهذه الضوابط الشرعية هي حق من حقوقنا كمسلمين، تكفلها لنا الدولة التشادية التي تصون حرية المعتقد، وتحترم خصوصيات أبنائها الدينية.
قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا»، فهذا في قضاء الحاجة، فكيف بجسد الإنسان الذي هو أمانة؟!
لكن المؤلم حقًا أن نرى في بعض المؤسسات الصحية اليوم مشاهد لا تليق بكرامة المسلم، ولا ترضي ربًا رحيمًا. فما إن تضع المرأة رأسها على وسادة المرض حتى يُفقدها بعضهم حقها في أن تعالج من مثلها أو ممن تثق في دينه وخلقه، وربما زاد الأمر سوءًا حين يتعمد بعض الأطباء -هداهم الله- كشف عورة المريض فوق ما تحتاجه الضرورة، بدعوى الفحص أو الإجراء الطبي، فينتهك بذلك حرمة جسد، ويُذهب هيبة مهنة، ويخون أمانة عظيمة.
وهل يخفى على ذي لب أن كثيرًا من المشاكل النسائية التي تتطلب كشف عورة يمكن أن يداويها طبيب ماهر من نفس الجنس؟ بل إن في بلادنا من الكفاءات الطبية النسائية ما يُغني ويُكفي، لكن المشكلة أحيانًا في القائمين على هذه المرافق الذين لا يضعون في اعتبارهم حاجة المريض النفسية والدينية قبل حاجته العضوية.
ومن المؤسف أيضًا أن نجد بعض المرافق الصحية يصر فيها القائمون على أن يتولى الرجل علاج المرأة والعكس، مع وجود كوادر وطنية قادرة على ذلك، وكأنما يُنتزع من المريض حقه في اختيار من يعالجه، ويُجبر على ما لا يرضاه لدينه وكرامته، وهذا يتعارض مع مبدأ حرية المعتقد الذي تكرسه دولتنا التشادية.
إن الضرورة تقدر بقدرها، والمسلم إذا اضطر إلى علاج الرجل له أو لها جاز، لكن لا يجوز أن يُتخذ ذلك ذريعة لهتك الأستار وتجاوز الحدود، ولا أن يكون خيارًا أولاً مع وجود البديل. واحترام خصوصية المريض الدينية ليس ترفًا، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان.
وهنا يبرز سؤال مهم: أين أخلاقيات المهنة؟ أين الضمير الطبي الذي يحفظ للمريض كرامته قبل علته؟ إن مهنة الطب مهنة الأنبياء، والحرفي الأمين شريك للطبيب في الأمانة، والمسلم إذا أتقن عمله وأخلص فيه كان ذلك عبادة وقربة. فالأطباء والممرضون والممرضات مطالبون بأن يكونوا قدوة في الستر، وأن يعلموا أن أعينهم وأيديهم أمانة، وأن المريض ليس جثة للفحص، بل إنسان له حرمة، وعورة تستر، ودين يُحترم.
وليعلم الجميع أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾، والإحسان في الطب أن ترفق بالمريض، وأن تصون نظره، وأن تضع حدًا لفضولك، وأن لا تتجاوز ما أمرت به الضرورة.
ولا تقع المسؤولية على الطبيب وحده، بل المجتمع المسلم في تشاد كله معني بالتوعية والتثقيف. فكثير من الناس -وخاصة في الريف والقرى- لا يعرفون أن لهم الحق في أن يطلبوا علاجًا على يد من يثقون في دينهم وخلقهم، ولا يعلمون أن باستطاعتهم السؤال عن وجود طبيبة أو ممرضة ، أو أن يرفضوا فحصًا من طبيب رجل إذا لم يكن هناك ضرورة، وهذا حق يكفله لهم الدستور التشادي الذي يصون حرية المعتقد.
وهنا أدعو علماءنا وأئمتنا وقادة الرأي في تشاد إلى أن يبذلوا جهدًا في توعية الناس بحقوقهم الصحية، وتعريفهم بضوابط العلاج في الإسلام، وتشجيع الأسر على توجيه بناتهم لدراسة التخصصات الطبية والتمريضية، ليكون في المجتمع كفاءات من النساء قادرات على خدمة بنات جنسهن بكرامة وعفة، جنبًا إلى جنب مع إخوانهن من أبناء الديانات الأخرى، في إطار التعاون الوطني من أجل صحة الجميع.